
خلصت ورقة تحليلية اصدرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى ان تونس تمكنت من الحفاظ على استقرارها المالي والوفاء بالتزاماتها الخارجية رغم غياب برنامج دعم من صندوق النقد الدولي. واعتبر المعهد العربي لرؤساء المؤسسات من خلال هذه الورقة التحليلية ان تونس نجحت خلال سنة 2025 في تمويل عجزها الجاري وسداد أصل الدين الخارجي، مع الحد من تفاقم المديونية.
واوقفت تونس مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي في اواخر سنة 2022 على الرغم من حصول اتفاق الخبراء في منتصف اكتوبر من ذات السنة لمنح تونس قرض بقيمة 1.9 مليار دولار على اربعة اقساط شريطة التزام تونس بالقيام بإصلاحات اعتبرها ابوظبي قيس سعيد لا شعبية وتهدد السلم الاجتماعي في البلاد.
ويُعزى هذا الأداء إلى ترشيد الإنفاق العمومي، والتقليص التدريجي للدعم، واعتماد سياسة حذرة لإدارة الدينار، الذي حافظ على استقراره أمام الدولار والأورو، بحسب المعهد. ورغم ارتفاع الحاجة إلى العملة الصعبة لتبلغ 3.1 مليار دينار في 2025، تمكنت البلاد من الحفاظ على احتياطي نقدي يُغطي اكثر من 100 يوم من التوريد، مما أرسل إشارات إيجابية إلى الأسواق الدولية والوكالات الائتمانية.
وتُبرز الورقة التحليلية وجود تباين واضح في الأهداف والرؤية بين برنامج الإصلاح الوطني في تونس والمقاربة التي يعتمدها صندوق النقد الدولي. فبينما يُركّز الأخير على ضبط المديونية والانضباط المالي الصارم، يسعى البرنامج الوطني إلى تحقيق التوازن الاقتصادي مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وتتجلى هذه الاختلافات في عدّة محاور، أبرزها سعر الصرف اذ تسعى تونس إلى الحفاظ على استقرار الدينار، في حين يوصي الصندوق بتخفيض سنوي يتراوح بين 5 و10 بالمائة. كما يبرز التباين في مجال الدعم اذ اختارت تونس تقليص الكميات المدعومة دون المساس بأسعار المواد الأساسية، خلافًا لتوصيات الصندوق القاضية بإلغاء الدعم كليًا.
وبخصوص أجور القطاع العام تم الحد من الزيادات دون اللجوء إلى تخفيض حاد في عدد الموظفين، خلافًا لمقترح الصندوق بتقليص الأجور إلى 12 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي
اما بالنسبة إلى ملف المؤسسات العمومية فقد اختارت الحكومة الإصلاح التدريجي على خيار التخصيص او التفويت فيها ما يدفع باتجاهه صندوق النقد الدولي. واكد المعهد العربي لرؤساء المؤسسات ان هذه الاستراتيجية الوطنية ساهمت في تقليص العجز المالي واحتواء التضخم، مع المحافظة على مناخ اجتماعي مستقر نسبيًا.
نتائج ملموسة… وتحديات مقلقة
شهدت المؤشرات المالية تحسنًا نسبيًا خلال السنوات الأخيرة من انخفاض نسبة الإنفاق العمومي من الناتج المحلي الإجمالي من 36.3 بالمائة سنة 2022 إلى 33.4 بالمائة في 2025 مع تراجع الدعم من 3.8 مليار دينار في 2023 إلى 3.6 مليار دينار في 2024 وارتفاع ميزانية الاستثمار إلى 6.1 مليار دينار في 2024.
وفي ذات السياق تم تقليص عجز الميزانية من 7,6 بالمائة من الناتج المحلي في 2023 إلى 6 بالمائة في 2024، ومن المتوقع أن يبلغ 5.5 بالمائة في 2025.
لكن، في المقابل، يُحذر التقرير من مظاهر هشاشة متزايدة تظهر ملامحها في ركود الصادرات بنسبة -0.3 بالمائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2025. ازاء ارتفاع الواردات بنسبة +4.8 بالمائة وسط تراجع إيرادات زيت الزيتون بنحو 1.1 مليار دينار وانخفاض إنتاج المحروقات، ما كلّف الاقتصاد مليار دينار إضافي.
إصلاحات مؤجلة
يرى المعهد العربي لرؤساء. المؤسسات من خلاه هذه الورقة التحليلية انه رغم النجاح في تفادي الإجراءات "المؤلمة" المرتبطة ببرامج التعديل الهيكلي لصندوق النقد الدولي أن تونس لم تعالج بعد جذور الأزمة، وعلى رأسها أزمة المؤسسات العمومية التي تعاني من ديون ضخمة، وتراجع في الإنتاجية وجودة الخدمات.
ويؤكد ايضا غياب رؤية استراتيجية واضحة بشأن مصير هذه المؤسسات، مع رفض مجتمعي واسع لخيار التخصيص علاوة على وجود مناخ استثماري هش، يحتاج إلى إصلاحات هيكلية وتشريعية لجذب رؤوس الاموال المحلية والأجنبية.
النجاح لا يعني الحاجة الى الاصلاح
وختم المعهد تقريره بالإشادة بـأداء الاقتصاد التونسي في ظرف دقيق، مشيرًا إلى أن النجاح في غياب دعم صندوق النقد لا يعني غياب الحاجة إلى الإصلاح.
لقد أثبتت تونس، حسب التقرير، أن هناك بدائل وطنية للبرامج الأممية، لكن ديمومة هذه البدائل تبقى رهينة القدرة على تنفيذ إصلاحات جوهرية دون التضحية بالتوازنات الاجتماعية.
م.ز
تم النشر في 20/10/2025
